الجمعة، 17 يناير 2014

يا رب (3)


يارب..
ربّ إني لِمَا أنزلْتَ إليَّ مِنْ خيرٍ فقيرٌ.. منطرحاً أمام بابك الكبير.. أصرُخُ في الظلام أستجير: ياراعي النِّمالِ في الرِّمالِ، وسامِعَ الحصاةِ في قرارةِ الغدير.

صرختي الأولى كانت إليك، وندائي الأولُ، ونَغْنَغَتي ومُناجاتي.. وجودي.. بشريَّتي.. ضعفي.. خوفي.. حُزني.. فرحي.. كلُّها تقودني إليك.

ذاتَ مساءٍ كنْتُ بينَ خيَّان الأَثْل في حاجةِ أمي.. كانَ الظلامُ بيني وبينكَ، وكانت السماءُ أبعدَ في نظري، والخوفُ أقربَ في قلبي، والطريق إلى النور طويل..
وعندما وصلْتُ مسحَتْ أُمي على رأسي و قالت: يا ولدي.. الطريقُ إليه آمن.. انتبه أن تتوقّف.
ثم أشارت إلى الأعلى.. ومُنذُ ذلكَ الوقْتِ وأنا أحاوِلُ الصُّعودَ إليكَ، وكلَّما اقتربْتُ منكَ وجدْتُكَ أقربَ إلى قلبي وأبعد من خيالي!!

كانوا يعقدون التّسبيحَ بِأصابِعِهم: (سبحان الله والحمدلله ولا إله إلا الله والله أكبر..) وأنا طفلٌ صغيرٌ إلى جوار والدي، بدأت أعد 1، 2، 3، 4 حتى المِئة.. ابتسم لي والدي و أخبَرَني بالمعنى.. مِنْ يومِها أدركْتُ أنَّ الطَّريقَ إلى اللهِ أعظمُ من تلك الأرقام!!

يارب.. يأتي اسمُك مُجَلْجِلَاً على لسانِ أحدِهم فأخاف، وَضَعَ الحواجزَ دونَك والسُّدودَ والحُفَرَ، وعندما أَفَقْتُ من تلك الوَحشة؛ أتاني نداؤُك الأجملُ: يا عبدي.. وأجبْتُكَ: يارب..

أحببْتُكَ قبْلَ أن أخافَكَ.. وكلَّما سمعْتُ اسمَكَ صِرْتُ به أكثرَ ثَراءً..

يأتي اليقينُ بعدَ الشَّكِّ.. يأتي مُنثَالاً بجمال ما أودعْتَهُ وأبدعْتَهُ في أعماقِ المُحيطات وأجوازِ الفَضاء..
في ألمِ الأمهات.. وعجْزِ الأسئلة.. ومرارةِ الفَقْد؛ يأتي التَّضرُّعُ باسمك..
في وَهَنِ الجسدِ.. وضياعِ الرُّوح.. وقسوةِ الخسارة؛ يأتي التَّبتُّلُ إليك..

يارب.. كنْتَ معي في ظُلمةِ الرَّحِمِ.. في طفولتي وأحلامي.. في تفاصيلي الصغيرة..
كنْتَ معي في الإخفاقِ والنّجاح.. في مُواجهة الحياة.. في الانطلاق والنّهاية.. أمامَ ألسِنَةٍ جارِحةٍ وخلفَ مخالِبِ الظلام..
يارب.. وأنتَ الجميلُ الذي خلقْتَني جميلاً، وأردْتَ لي أن أكونَ كما خلقْتَني؛ أبقِني على فطرتكَ بعيداً عن تشويه ذاتي..
يارب.. وكُلُّ نَفَسٍ يُقرِّبُني إليك.. وكل صباحٍ أستفتِحُ فيه بذكرك؛ امنحني القُوَّةَ أنْ لا تتعثَّرَ خُطايَ في مسيري إليكَ..
يارب.. أعطِني حُرِّيَّةً بقدْرِ عُبوديَّتي لكَ، ويقيناً بقدر أَمَلي فيك، واجعلْ ما بيني وبينَكَ مسافةَ حُبٍّ وقرِّبْها..
يارب.. مَنحْتَني عينَيْنِ ولساناً وشفتين.. اهدِني أنْ لا تنْشغِلَ هذه الجوارحُ بغيرِكَ عنكَ..
يارب.. وأنْتَ الكبيرُ في عليائِكَ وأنا الهَباءةُ في كونِكَ؛ فَكُنْ أنتَ الصَّاحب في سَفرِ الحياة..


الجمعة، 29 نوفمبر 2013

نعم اتغير (1)

دائماً أردد "اهدنا الصراط المستقيم" ولذلك لماذا لا أتغير؟ التغير هو التعلم الذي يساعد على مواكبة الجديد، على الانتقال من التبعية والتقليد إلى الاستقلال والاجتهاد والاستجابة للفطرة حيث الكون كله يتغير.
الدين بطبيعة الحال ثابت، ولكن الرأي البشري متجدد والذي كان يقول صلى الله عليه واله وسلم: "يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك" هو نفسه كان يقول "اهدني لما اختلف فيه من الحق بإذنك". مكة غير المدينة، عصر النبوة غير عصر الخلفاء الراشدين، شافعي مصر غير شافعي العراق، ابن تيمية نفسه تحول كثيراً في عمره المبارك، الأمر في الشريعة قبل النهي، الرحمة قبل الشدة، الترغيب قبل الترهيب.
أرغب دائماً أن أراقب نفسي أكثر من أن أراقب الآخرين، أتعرف على عيوبي قبل أن أتعرف على عيوبهم. السماء تغير سحابها، النهر يغير ماءه، الأرض تغير جلدها، الشمس كل يوم لها أفق وعندما أتوقف وكل شيء يتحرك معناه أنني سأفيق وأنا وحيد.
خمس سنوات من الاعتكاف عزلتني عن تأثير الجموع، منحتني الحرية، نقلتني من الضيق إلى السعة، ومن الانكفاء إلى الحياة، نقلتني لرؤية الوجوه الناصعة وقراءة الجانب الإيجابي لدى الآخرين. عندما خرجت، خرجت لأجد الشريحة تغيرت نحو العنف وكان لا بد من الوضوح معها ولو أدى ذلك إلى أن أخسرها. هل أتبعك على تعلمني مما علمت رشدا.. لكن هل أتبعك على أن تطيعني؟ هذه لا، لا أستطيع أن أستوعبها لأن عندي أغلى شيء عندي، هو حريتي. الحرية لا تريد أن يصادرها لا حاكم ولا تابع.
عليّ أواصل المسير ولو عثرت، نعم أعثًر، وأعثر ولكني أحاول النهوض سريعاً، أعتز بأن أعظم ثوابتي هو إيماني الراسخ العميق بالله سبحانه وتعالى، وحبي له، وحسن ظني به، وأنني أضع كل همومي وآلامي ومعاناتي حينما أسجد بين يديه.
كنت أقلد بعض شيوخي الفضلاء بتحريم التصوير مثلاً مع التحايل لإباحته للحاجة أو للضرورة وفي داخلي كنت أتساءل كيف شيء؟ يعني إذا كان فعلاً الرسول (ص) لعن فاعله كيف يمكن أن يكون هذا الشيء يستخدم كوصيلة للدعوة إلى الله وهو من كبائر الذنوب يعني. الآن مع تغير الواقع لا تجد او لا تكاد
 تجد إلا النادر من يقول بتحريم التصوير دون أن يكون هناك بحث جديد، وإنما الواقع  هو الذي فرض الشيء هذا.من الشجاعة أن يفتح الفقيه الأبواب القابلة للفتح بدلاً من أن ينتظر أن يكسرها الآخرون، نعم أتغير، لأنني لو قلت في الأربعين ما كنت أردده في العشرين فهذا يعني ضياع عشرين سنة من عمري سدى.